أحمد الشرباصي

175

موسوعة اخلاق القرآن

فاسِقُونَ » . ولقد قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت حينما نال المسلمون رزقا ونعمة ، ففتر بعضهم عما كان عليه ، ويروى عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : « ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللّه بهذه الآية إلا أربع سنين » . ويا لها من تربية سامية عالية صارمة ، تقوم على أساس القول المأثور : « حسنات الأبرار سيئات المقربين » . وكذلك يروى أن عبد اللّه بن عباس قال في شأن هذه الآية : « إن الله استبطأ قلوب المؤمنين ، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن » . وحينما أمر اللّه عباده بأمرين جليلين عظيمين هما الصبر والصلاة ، أتبع أمره بالإشارة إلى أن التخلق بهما منزلة عالية ومهمة شاقة ، لا تتيسر إلا للمتخلقين بخلق الخشوع الصادقين فيه ، فقال في سورة البقرة : « وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ » . والمراد بالخاشعين هنا - واللّه أعلم بمراده - هم المتواضعون للّه الخائفون منه ، فإنهم - كما في « مجمع البيان » للمفسّر الطبرسي - قد وطّنوا أنفسهم على الصبر وإقام الصلاة ، وقال مجاهد : أراد بالخاشعين المؤمنين ، فإنهم إذا علموا ما يحصل لهم من الثواب بفعل الصبر والصلاة لم يثقل عليهم ذلك ، كما أن الإنسان يتحمل مرارة الدواء لما يرجو به من نيل الشفاء . وهذا هو « تفسير المنار » يتعرض للجملة القرآنية الكريمة : « وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ » فيقول : « وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ » : أي لثقيلة شديدة الوقع ، كقوله : « كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ » إلا على المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم للّه تعالى ، فهؤلاء هم الذين يستفيدون بالصلاة والصبر كلّ الخلائق الحسنة ، لما تعطيه الصلاة من مراقبة اللّه تعالى ، كما قال عز وجل : « إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ، إِلَّا الْمُصَلِّينَ » . فمن خواص الصلاة الصبر ونفي الجزع ، ومن خواصها النهي عن الفحشاء والمنكر ، ومن خواصها الجود والسخاء ، فالمصلّي الحقيقي